الاثنين، 8 أكتوبر 2012

رواد النهضة.. رسالة مفتوحة...


من بركان الغضب تفجّرت ثورات في بلاد العرب, فنفضت ما في داخلها وفضفضت ما كبتته السنون في القلوب المكلومة, وما ولّدته النفوس المظلومة في العقول من أوهام، وطريقة تفكير تتّخذ من المظهر في اهتمامها حيّزًا كبيرًا وتتغازل مع الجوهر وهي مدركة أنه أساس, بيد أنَّ الصراع مع النفوس ورغباتها صراع أزلي وهو ما يسجل التاريخ آثاره, فقد تتمكن نفوس ضعيفة من السيطرة على مصائر أمم, وهذا ما يحصل عندما ينتاب دعاة الحرية والصواب وجل المتحسب الغارق في مثالية المخرجات من تفكيره أو من مخرجات عمله، فترى الباطل أكثر جرأة وأكثر إقدامًا, يلفّق الحجة ويجمع القوّة بوسائل هي سهلة عند من فقد الانتماء إلا لذاته, أو لم يك هنالك له ــ كما يقال ــ وازع من ضمير.
اليوم, المستطلع للإنترنت, يجد الكثير من صفحات كتب عليها “النهضة”, وهو تعبير عن تطلعات, وربما نوع من تقليعة الظرف, أو ربما فقاعات لا تلبث أن تنفجر وتنتهي, لكن بنهايتها تميت بعض الطاقات التي التزمتها, وهي من الطاقات التي وجدت هذه الدعوة وتلك, فحاولت أن تصطف معها, وهذا دافع إيجابي وهو المعبر عن نفحة إخلاص مطلوب في أمة تحلم بالنهضة, وتريد هذا الحلم أن يكون حقيقة..
بيد أنَّ السلبية في هذا التعدد لا تسر, وفيها مؤشرات خطر، فلابد أن ينتبه إليها رواد النهضة, ممن يحاولون بجهد مشكور عمل ما يمكن عمله, لكنهم أيضًا لديهم انبهار المتثاقل الغافي المقارب للإحباط, من تنفتحت أمامه أنوار الأمل, بلغوا من العمر الغروب دون أضواء في غرفة أفكارهم التي لها كثير من المعجبين, لكن قليل منهم العاملين، وفجأة ينفتح باب العمل مع انفتاح الأمل.. وهنا تكمن مشكلة.
المشكلة هنا عند الناشطين, حيث تمثل تحدي كبير لمنظومة النهضة في إعادة التغذية وانقسام البيئة, فبالتأكيد ترى أنهم لا يختلفون على جوهر الفكرة, لكن يختلفون في الآليات أو بالولاء لرواد النهضة, أو بجزئيات, لكن الرسوخ للفكر ليس تامًا, وهنا تخاف بل ترتعب حتى فقد يذهب الحال إلى الاختلاف كالعادة إلى التأصيل..
إنّ اختلافاتهم ليست مسئولية الشباب, فهم نشطاء تفجَّرت طاقاتهم, بل هي مسئولية الروّاد دون شك, ولا تبرير لها مهما فلسفناها!
نعم, إنَّ الروّاد يتركون الشباب دونما توجيه حقيقي في هذا المجال, ربما لا يريدوا أن يبدوا وكأنهم يمارسون الأبوية التي طالما رفضوها في مقالاتهم وكتبهم، ولكن هنالك فرق بين الأبوية وبين الريادة وتزويد الحكمة المهدّئة للاندفاع, المثبطة لسلبية القرارات السريعة المتعجّلة, التي تنظر إلى الهدف حتى لا تكاد ترى الطريق وما فيه من الحفر..
كلكم يعلم أنّ الأبوية ليست مرادفا للاحتضان والرعاية,فإنما معناها المقصود فرض الاستنساخ بذات التفاصيل..
فيا روَّاد النهضة, لا تخلطوا بين أحلامكم وبين واقعٍ جديد, فهذا أمر سيحاسب عليه الله, فهو فرصة للعاملين, وهي الأبوية التي رفضت دومًا وجرى على رفضها التأكيد.
إن الشباب يعملون, أفضل مما يتصور السابقون, فالمهمة ليست تعليمهم كيفية العمل, بل كيفية أن يكونوا ركنًا شديدًا, بدل التشظّي الذي لا يقوده فكر سديد, بل يقوده في أحيان التعصب للتفاصيل, وهو ما لا ينبغي لروّاد النهضة أن يسمحوا بوجوده.
لا تتكلموا من أبراج، ولا تهتموا كثيرًا بعبارات الإكبار والإجلال، فإنّ المسافر في رحلة الدنيا إلى النار يقوده الجمال، وكذلك المسافر إلى الجنة, كل الفرق هو كنه الجمال، فلابد من معايير توضع لضبط الحراك ودعم الأفكار ليس الشباب, لتنفيد ما يحلم به المفكر أو الداعية.
إنما المفكر اليوم ليميز ما يطرح من جديد في الساحة, فلم تعد التنمية محور الكلام, ولا الأمل, وإنما النهضة بفكر ينتج جديدًا ويثبت هوية..
ولا ينبغي التهوين من المعروض من الأفكار الجديدة للضعف في تطويرها, وإنما يشار لها وتصنف للتطوير.
كذلك لا ينبغي أن يتصور المفكر أن أفكاره ثابتة وواقع اليوم هو امتداد, بل التغيير يشمل الكل, الكبير والصغير, وإلا تشتت الطاقات وإن منَّ استكثر عمله فضعف إنتاجه.
قد تحمل العقول فكرًا حضاريًا تستنير به، وقد تكون الفِكر المدنية موجودة في كل الأوقات لكن على العقول الحاملة للفكر أن تتجمع لا أن تتفرق بسبب البقايا الجاهلية في النفوس.. لأنّ انتصار الفكر يحتاج لركن شديد، وفاعلية الأفكار المدنية تحتاج لهمم وأيادي قوية, وإلا فالعقول المبدعة تنتج لما تحتضنه الرفوف ويدفنه الغبار مع الزمن.
وهكذا تصبح الثورة بركانية بلا هدى, تترك رماد الثورة فوق زرع حصيد, فلا تعود الأرض لحرث من جديد, فصونوا مهمتكم يا رواد وليطالها الإصلاح والتغيير،
قد يقول فريق ممن سبق بالفضل والفعل والمعرفة أنّ “هذا الكلام مبالغة”, أو “هو حيود في التشخيص”, لكن.. الخطأ بالتشخيص خير من الغفلة عن المتابعة, فهنالك ظاهرة تستحق النظر!  (عن يقظة فكر) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق